الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
180
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وعلى جانب من التقوى . ثم تعرف الآية التالية المتقين بأنهم الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون . ولكلمة " الغيب " هنا تفسيران : الأول : إنه إشارة إلى ذات الله المقدسة ، أي مع أن الله سبحانه غائب عن الأنظار ، فإن هؤلاء آمنوا به بدليل العقل ، ويحسون بالمسؤولية أمام ذاته المقدسة . والآخر : إن المتقين لا يخافون الله في العلانية وبين المجتمع فقط ، بل يعلمون أنه حاضر وناظر إليهم حتى في خلواتهم . ومما يلفت النظر ، أنه عبر عن الخوف أمام الله بالخشية ، وفي شأن القيامة بالإشفاق ، إن هذين اللفظين وإن كان كلاهما بمعنى الخوف ، إلا أن " الخشية " - على قول الراغب في المفردات - تقال في موضع يمتزج فيه الخوف بالاحترام والتعظيم ، كخوف الابن من أبيه الموقر ، وبناء على هذا فإن خوف المتقين ممتزج بالمعرفة . وأما " الإشفاق " فيعني الاهتمام والحب المقترن بالخوف ، وهذا التعبير يستعمل أحيانا في شأن الأولاد أو الأصدقاء الذين يحبهم الإنسان ، إلا أنه يخاف عليهم في الوقت نفسه من تعرضهم للبلايا والأمراض مثلا . وفي الواقع فإن المتقين يحبون يوم القيامة ، لأنه مكان الثواب والرحمة ، إلا أنهم في الوقت نفسه مشفقون من حساب الله فيه . ويمكن أن تستعمل هاتان الكلمتان أيضا في معنى واحد . وقارنت الآية الأخيرة بين القرآن وباقي الكتب السابقة : وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون ؟ ولماذا الإنكار ؟ لأنه ذكر لكم ومصدر وعيكم ويقظتكم وتذكيرهم ؟ ألأنه مصدر البركة وفيه خير الدنيا وخير الآخرة ، ومنبع الانتصارات والسعادات ؟ فهل ينكر مثل هذا الكتاب الذي يستبطن أدلة أحقيته